"النهار" تنشر مفاصل الرؤية الإقتصادية لميقاتي إلى مجلس الوزراء: معالجة الإختلالات بقرار سياسي جريء وتوخّي الحذر في القرارات المالية
الثلاثاء، ٣١ كانون الثاني، ٢٠١٢
جريدة النهار
لم تقتصر ملاحظات رئاسة الحكومة على مشروع قانون موازنة 2012 المطروحة أمام مجلس الوزراء اليوم على مناقشات رقمية للبنود الواردة في النفقات والواردات بناء على ما سبق أن طلبه وزير المال محمد الصفدي من اعضاء الحكومة، بل توسعت بالتحليل لتقدم ما وصفه المكتب الاقتصادي في رئاسة الحكومة "بمقاربة جديدة وحديثة للموازنة تأخذ في الاعتبار معالجة تراكمات الاعوام السابقة وضبط النفقات ووضع ادارة سليمة للمالية العامة مبنية على قواعد دستورية تبعد المخاطر التي قد تترتب على تفاقم العجز وتراكم الدين".
وتؤكد المقاربة على الدور "المفترض أن تؤديه الموازنة في تحفيز النمو وتوفير فرص العمل وتقوية البنية التحتية وتفعيل الاداء وتحسين الانتاج في القطاع العام وتوفير المناخ المناسب لجذب الاستثمارات الداخلية والخارجية وتحقيق العدالة الاجتماعية، اضافة الى مساهمة الموازنة في تدعيم الاستقرار النقدي والمالي والحفاظ على كلفة تمويل بمستوى مقبول".
وأبرز المكتب الاقتصادي في مقاربته التي تنشر "النهار" أهم مفاصلها، دور الموازنة في تجسيد الرؤية الاقتصادية للحكومة واختلالات الاعوام السابقة الناجمة عن توقف اقرار موازنات منذ 2005، مما اثار التساؤلات حول قانونية "الاسس الواقعية" التي اعتمدت للانفاق وشرعيتها، من القاعدة الاثني عشرية الى الانفاق على اساس موازنات اقرها مجلس الوزراء فقط، الى قرارات استثنائية او قوانين خاصة تغطي انفاقا جزئيا في مجلس النواب".
وتلفت المقاربة الى "ان ضيق الوقت وتأخر تشكيل الحكومة ومحاولة التزام المهل دفعت وزارة المال الى إعداد مشروع على الاسس نفسها، مع ادخال بعض التعديلات وتصويب بعض الاختلالات الضريبية لتحسين العدالة الضريبية والمداخيل لتتم تغطية النفقات وتخفيف العجز".
معالجة الاختلالات
وفي آلية وضع الموازنة، ترى المقاربة وجوب معالجة الاختلالات السابقة عبر قرار سياسي جريء يزيل التراكمات ويسمح بقطع الحسابات وتسوية الموازنات السابقة التي قوض عدم اقرارها هيكلية المالية العامة، والتي بدونها يبقى النقاش مفتوحا على نزاعات وخلافات سياسية تعوق العمل الحكومي وتزيد اهدار المال العام ولا تسمح باقرار موازنات جديدة. وتشير المقاربة الى ضرورة وضع قانون استثنائي يجيز لمجلس النواب اقرار موازنة 2012 قبل اجراء قطع الحسابات القانونية على الموازنات السابقة على ان يتم تضمينه فترة زمنية محددة لاتمام العمليات السابقة، اي ان تتم الموافقة بتحفظ حتى يصدر ديوان المحاسبة رأيه في ما يتعلق بقطع حسابات الاعوام السابقة، ليعرض مجددا على مجلس النواب من اجل المصادقة عليه".
وتقترح المقاربة في المبادئ العامة لاعداد الموازنات: الشمولية والسنوية والتخصصية والصدقية. وتلفت الى بروز مبادئ تتعلق بترشيد الانفاق والحوكمة السليمة اعتمدها الاتحاد الاوروبي، محددة 3 في المئة نسبة العجز من الناتج و60 في المئة من الدين الى الناتج ولا يمكن لبنان تجاهلها. وترى ان التصحيحات المطلوبة تتمثل في التشدد في تطبيق المبادئ العامة للموازنة والتزام خفض العجز الى 5 في المئة والدين الى ما دون 100 في المئة في السنوات الخمس المقبلة، وعلى ألا يكون هناك عجز أولي، وان تبنى الموازنة لتحفيز النمو ومعالجة الاختلالات وضبط التضخم، وان تعتمد سقوف محددة للعجز والدين نسبة الى الناتج.
وفي مقاربة حجم الدين تتجه المقاربة الى ترشيد الانفاق وحصر الهدر واعادة النظر في النظام الضريبي وتحسين الجباية والنظر في امكان تسييل اصول عامة وإشراك القطاع الخاص في الاستثمارات العامة وتخصيص العائدات التي قد تنتج من عمليات التنقيب عن النفط والغاز لمستحقات الدين وعدم تحويلها الى اي نفقة عامة اخرى قبل تراجع نسبة الدين الى الناتج الى ما دون 60 في المئة، وتخصيص نسبة 25 في المئة من هذه العائدات لصندوق استثماري للاجيال المقبلة.
وتطلق ورشة اصلاحية حول ابرز بنود الانفاق: عجز الكهرباء ، الضمان، الصحة والتعليم، الاجور وتعويضات التقاعد، الانفاق الاستثماري، واعادة النظر في الصناديق والمؤسسات المستقلة.
وترى المقاربة انه لا يفترض ادراج اي تعديلات في القوانين والانظمة الراسخة، وإلا يجب ارسال التعديلات الى مجلس النواب. واذ تعتبر ان الموازنات عانت سابقا نقصاً في التناغم مع الواقع الاقتصادي والاجتماعي لانها كانت تفتقر الى رؤية متكاملة وواقعية (...).
الإصلاح
وتنحو الرؤية الاقتصادية الى وضع الموازنة في اطار توقعات الاقتصاد الكلي على المدى المتوسط، آخذة في الاعتبار مكوناته من استهلاك وادخار واستثمار وتبادلات وتحويلات داخلية وخارجية. وتطلب اصلاح المالية العامة لوضع الدين في إطار انحداري، فتخصص الاعتمادات لزيادة مردود الاستثمارات وترشيد الانفاق الاجتماعي وزيادة الاستثمار في البنى التحتية عبر الشراكة بين القطاعين العام والخاص.
في الاصلاح الضريبي تقترح المفاضلة بين الضرائب المباشرة وغير المباشرة. وتدعو الى تمويل البنية التحتية المقدرة بـ7 مليارات دولار للطاقة و8 مليارات للمياه والصرف الصحي ومليارين في الاتصالات من القطاع الخاص.
وتتوسع الرؤية في الاصلاحات المطلوبة في الطاقة والنقل والمياه والمعلومات والاتصالات والتكنولوجيا.
في هيكلية الموازنة، تقدر الرؤية ارتفاع نسبة الانفاق الى الناتج الى 35 في المئة. وبعد ان تعرض تطور الانفاق في الاعوام الخمسة الماضية تتوقع زيادتها 33 في المئة للاجور والتعويضات والتقاعد و26 في المئة لخدمة الدين و14 في المئة لدعم الكهرباء. ورأت انه بات ملحا وضع رؤية مستقبلية لتطور الرواتب واعادة النظر في سلسلة الرتب والرواتب. متوقعة ان يبلغ الانفاق على الكهرباء 3 مليارات ليرة دون احتساب النفقات الاستثمارية بـ500 مليار.
وتشير الى ضرورة توسيع الجهد الضريبي عبر تحسين الجباية او تكليف بعض ابواب الدخل مثل ضريبة ربح التحسين على تبادل الاصول او رفع الفوائد على الودائع المصرفية او على القيمة المضافة التي يمكن ان تقوم على اساس الشطور، فتخضع الكماليات لـ15 في المئة. وتلاحظ أن النظام الضريبي يجب ان يقوم على مثلث قوائمه: ضريبة عادلة على المداخيل والارباح، الضريبة على الاستهلاك وضريبة الدخل الموحدة.
ويعيد البرنامج المشار اليه الاعتبار الى دور الدولة في الحفاظ على التوازن الاقتصادي والاجتماعي، مركزا على ان اي توسع في الانفاق من دون مراعاة القدرة على زيادة الايرادات له تبعات على زيادة العجز والدين. فالفائض الاولي في موازنة 2011 يجب الا ينقلب عجزا كما هو وارد في موازنة 2012.
اما اللجوء الى الاقتراض من مصرف لبنان فيجب تلافيه، لسلامة الوضع النقدي ولجم التضخم، إذ يخشى ان يرافق التوسع في الاقتراض من المركزي تدهورا في ميزان المدفوعات الذي سجل عجزا بـ2٫7 ملياري دولار في أول 10 اشهر من 2011 مقابل فائض بـ2٫1 مليارا للفترة ذاتها من 2010. ونبهت الرؤية الى ضرورة التحوط لظهور مخاطر جديدة قد تسبب رفع الفوائد علما ان كل ارتفاع على مستوى الكلفة المتوسطة لمحفظة قروض الدولة بنسبة واحد في المئة يزيد خدمة الدين بأكثر من 800 مليار ليرة. ويقدر مصرف لبنان أن القطاع المصرفي لا يستطيع تمويل عجز حكومي بأكثر من 5 آلاف مليار ليرة.
وتخلص المقاربة الى مجموعة توصيات أبرزها "عدم تخطي القدرات التمويلية للعجز والدين خوفا من تكبير المخاطر الائتمانية ورفع الفوائد، وتضخيم الدين، والدخول تاليا في الحلقة المالية المفرغة". وترى ان التطورات الاقتصادية والسياسية الاقليمية والدولية "تفرض توخي اقصى درجات الحيطة والحذر في القرارات المالية وعدم التوسع المفرط في الانفاق لما له من مخاطر، مع التذكير بأن انفلات الانفاق الحكومي في مطلع التسعينات أساء بشكل كبير الى الاقتصاد وأضعف القدرات الانتاجية وأدى الى تدهور ضخم لسعر الصرف وتراجع كبير في المداخيل".

